القيامة
نادين نبيل الرفاعي
منذُ استيقظتُ صباحاً و كلُّ شيءٍ يسير ُبعكس مجراه، المياه لا تنزل من الصنابير و الكهرباء مقطوعة بسبب تأخري عن دفع الفاتورة، ثم و على غير المتوقع السيارة التي اشتريتها منذ شهر واحد تعطل محركها، كم اكره الأشياء المستعملة... استقليت سيارة اجرة كي لا اتأخر عن العمل الا ان الزحام كان خانقا لدرجة ان المدير وبخني لتأخري نصف ساعة كاملة...
لم أكن بمزاج جيد ابدا للحديث، لذلك عندما قالت احدى زميلاتي في العمل نكتة تافهة ثم اخذت تضحك بهستيريا سكبت كوب قهوتي في وجهها، لم أدرك ان القهوة ساخنة حتى لاحظت البخار المتطاير و الضحك الذي انقلب صراخاً.
طردت من العمل، ثم أمضيت ثلاث ساعات في قسم الشرطة، اطلق بعدها سراحي بسند كفالة دفعه زميلي الذي أكد للشرطي العجوز بانها كانت مجرد حادثة، لكن كان علي أن انتظر بضعة ايام حتى ترفع "الضحية" دعوىً قضائية ضدي.
عدت الى المنزل، كنت بحاجة شديدة للاستحمام لكنني عندما فتحت الصنبور عادت الي ذاكرة الصباح.. تناولت ثلاث حبات من " المسكن" الذي لا زلت أجدده شهرياً بفضل طبيب يتقاضى "أجراً" لا بأس به.
طرقت باب جارتي و طلبت اذنها باستعمال الحمام، لطالما ساعدتني بالرغم من أنني لم ارد لها الجميل يوما.
لم أشعر طوال حياتي بمثل هذا القدر من الارتياح عند نزول المياه الباردة على رأسي.
آلمتني يدي فجأة، و لكن متى أصبت بهذا الجرح؟ أهذا دم ما يخرج من طرف اصبعي... يا للغرابة، اهي فراشة، نحلة، كلا انها دودة... علي ان اتوقف عن تناول تلك الحبوب.
-أترين الدودة؟ انها تخرج من اصبعي...
-لا ارى اي شيء... و ان لم تتوقفي عن تعاطي تلك الأدوية لن أسمح لك بدخول شقتي مجددا ...
- و من قد يرغب في دخول بيت الاشباح هذا على أي حال...
خرجت مسرعة،لم أرغب في العودة الى المنزل، رحت اسير في أحياء المدينة المزدحمة، فالاقل ازحداماً و هكذا حتى وصلت الى حيٍّ لا أنوار فيه، كنت منهكة و أشعر بالخواء، أردت النوم بشدة فدخلت الى مبنى مهجور، لم يكن مهجورا بمعنى الكلمة، كان هنالك بضع متشردين يتوسدون الأرض، جلست في زاوية فارغة و اسندت ظهري للحائط، حاولت اغماض جفني و لكن أحدهم اقترب مني، ابتسم ابتسامة خالية من الاسنان ثم همس "انها نهاية العالم".
"اعلم هذا بالتأكيد انها نهاية العالم مع كل ما أصابني اليوم."
" ليس بالنسبة لك فقط، انها نهاية الجميع."
تركت منزلي الدافئ لأنام مع المتشردين في بيت المجانين هذا، يجب ان ينتهي هذا اليوم قبل أن اصاب بأزمة قلبية.
لا أعلم لكم من الوقت غفوت و لكنني استيقظت بسبب الصراخ و الضوء الاحمر غريب الذي تسلل الى عيني.
لم يعد المتشردون يرتدون الثياب الرثة نفسها، في الواقع لم يكونوا يرتدون اي ثياب سبق و ان رأيت احدهم يرتديها، عدا عن انهم جميعا يحملون دفاتر و أقلاما بين أيديهم و يدونون شيئا ما أما أعينهم فخلت من البياض، كانت كلها مصبوغة بلون المجرة.
لم ارتعب، فعندما رأيت هذا أدركت انني أحلم لذلك اتجهت نحو نافذة قريبة لألقي نظرة على مصدر الصوت، كان المبنى محاطاً بقبة حمراء اللون اما خارج القبة فكان العالم يحترق بنار خضراء و بنفسجية.
امسك أحدهم بكتفي و في تلك اللحظة أدركت انه لم يكن حلماً...
أظن بأن مرتعبة لم تكن الكلمة الصحيحة لوصف حالتي، فقد عجزت عن الكلام، الصراخ، البكاء او الحركة. كل ما كنت قادرة على فعله هو التحديق في تلك الدودة المزعجة التي تخرج من جرح صغير في اصبعي.
امسك أحدهم بكتفي مرة أخرى فتبدد الهلع، اختفت الأصوات و الأنوار و غرقت في مجرة من السكون. هل لهذه اللمسة مفعول المورفين يا ترى.
فتحت عيني كنت لا أزال في المبنى المهجور، الحرارة و الرائحة تجعل البقاء أمرا لا يطاق، أعياني حلم الأمس، مددت يدي الى جيبي و تناولت حبتين أخريين، أظن بانه لا مانع من ذلك...أردت الخروج خاصة عندما تلفّتُّ فلم أجد المتشردين الذين كانوا هنا. لكن الباب الذي دخلت منه لم يكن موجودا، حتى النوافذ اختفت الا ان ضوءً خفيفا كان يتسلل من الدرج ، لا بد أن احدهم في الطابق الثاني.
في الطابق الثاني من المبنى المهجور كانت امرأة تقف أمام النافذة تحدق في الخراب. ألم يكن حلما؟
ناديتها فاستدارت، انها أنا و لكن عينيها بلون المجرة ، تقدمَت خطوة الى الأمام فعدتُ خطوتين الى الوراء. توقفَت، استدارت مجددا نحو النافذة و رمت بنفسها من الطابق الثاني لذلك المبنى المهجور.
نادين نبيل الرفاعي
منذُ استيقظتُ صباحاً و كلُّ شيءٍ يسير ُبعكس مجراه، المياه لا تنزل من الصنابير و الكهرباء مقطوعة بسبب تأخري عن دفع الفاتورة، ثم و على غير المتوقع السيارة التي اشتريتها منذ شهر واحد تعطل محركها، كم اكره الأشياء المستعملة... استقليت سيارة اجرة كي لا اتأخر عن العمل الا ان الزحام كان خانقا لدرجة ان المدير وبخني لتأخري نصف ساعة كاملة...
لم أكن بمزاج جيد ابدا للحديث، لذلك عندما قالت احدى زميلاتي في العمل نكتة تافهة ثم اخذت تضحك بهستيريا سكبت كوب قهوتي في وجهها، لم أدرك ان القهوة ساخنة حتى لاحظت البخار المتطاير و الضحك الذي انقلب صراخاً.
طردت من العمل، ثم أمضيت ثلاث ساعات في قسم الشرطة، اطلق بعدها سراحي بسند كفالة دفعه زميلي الذي أكد للشرطي العجوز بانها كانت مجرد حادثة، لكن كان علي أن انتظر بضعة ايام حتى ترفع "الضحية" دعوىً قضائية ضدي.
عدت الى المنزل، كنت بحاجة شديدة للاستحمام لكنني عندما فتحت الصنبور عادت الي ذاكرة الصباح.. تناولت ثلاث حبات من " المسكن" الذي لا زلت أجدده شهرياً بفضل طبيب يتقاضى "أجراً" لا بأس به.
طرقت باب جارتي و طلبت اذنها باستعمال الحمام، لطالما ساعدتني بالرغم من أنني لم ارد لها الجميل يوما.
لم أشعر طوال حياتي بمثل هذا القدر من الارتياح عند نزول المياه الباردة على رأسي.
آلمتني يدي فجأة، و لكن متى أصبت بهذا الجرح؟ أهذا دم ما يخرج من طرف اصبعي... يا للغرابة، اهي فراشة، نحلة، كلا انها دودة... علي ان اتوقف عن تناول تلك الحبوب.
-أترين الدودة؟ انها تخرج من اصبعي...
-لا ارى اي شيء... و ان لم تتوقفي عن تعاطي تلك الأدوية لن أسمح لك بدخول شقتي مجددا ...
- و من قد يرغب في دخول بيت الاشباح هذا على أي حال...
خرجت مسرعة،لم أرغب في العودة الى المنزل، رحت اسير في أحياء المدينة المزدحمة، فالاقل ازحداماً و هكذا حتى وصلت الى حيٍّ لا أنوار فيه، كنت منهكة و أشعر بالخواء، أردت النوم بشدة فدخلت الى مبنى مهجور، لم يكن مهجورا بمعنى الكلمة، كان هنالك بضع متشردين يتوسدون الأرض، جلست في زاوية فارغة و اسندت ظهري للحائط، حاولت اغماض جفني و لكن أحدهم اقترب مني، ابتسم ابتسامة خالية من الاسنان ثم همس "انها نهاية العالم".
"اعلم هذا بالتأكيد انها نهاية العالم مع كل ما أصابني اليوم."
" ليس بالنسبة لك فقط، انها نهاية الجميع."
تركت منزلي الدافئ لأنام مع المتشردين في بيت المجانين هذا، يجب ان ينتهي هذا اليوم قبل أن اصاب بأزمة قلبية.
لا أعلم لكم من الوقت غفوت و لكنني استيقظت بسبب الصراخ و الضوء الاحمر غريب الذي تسلل الى عيني.
لم يعد المتشردون يرتدون الثياب الرثة نفسها، في الواقع لم يكونوا يرتدون اي ثياب سبق و ان رأيت احدهم يرتديها، عدا عن انهم جميعا يحملون دفاتر و أقلاما بين أيديهم و يدونون شيئا ما أما أعينهم فخلت من البياض، كانت كلها مصبوغة بلون المجرة.
لم ارتعب، فعندما رأيت هذا أدركت انني أحلم لذلك اتجهت نحو نافذة قريبة لألقي نظرة على مصدر الصوت، كان المبنى محاطاً بقبة حمراء اللون اما خارج القبة فكان العالم يحترق بنار خضراء و بنفسجية.
امسك أحدهم بكتفي و في تلك اللحظة أدركت انه لم يكن حلماً...
أظن بأن مرتعبة لم تكن الكلمة الصحيحة لوصف حالتي، فقد عجزت عن الكلام، الصراخ، البكاء او الحركة. كل ما كنت قادرة على فعله هو التحديق في تلك الدودة المزعجة التي تخرج من جرح صغير في اصبعي.
امسك أحدهم بكتفي مرة أخرى فتبدد الهلع، اختفت الأصوات و الأنوار و غرقت في مجرة من السكون. هل لهذه اللمسة مفعول المورفين يا ترى.
فتحت عيني كنت لا أزال في المبنى المهجور، الحرارة و الرائحة تجعل البقاء أمرا لا يطاق، أعياني حلم الأمس، مددت يدي الى جيبي و تناولت حبتين أخريين، أظن بانه لا مانع من ذلك...أردت الخروج خاصة عندما تلفّتُّ فلم أجد المتشردين الذين كانوا هنا. لكن الباب الذي دخلت منه لم يكن موجودا، حتى النوافذ اختفت الا ان ضوءً خفيفا كان يتسلل من الدرج ، لا بد أن احدهم في الطابق الثاني.
في الطابق الثاني من المبنى المهجور كانت امرأة تقف أمام النافذة تحدق في الخراب. ألم يكن حلما؟
ناديتها فاستدارت، انها أنا و لكن عينيها بلون المجرة ، تقدمَت خطوة الى الأمام فعدتُ خطوتين الى الوراء. توقفَت، استدارت مجددا نحو النافذة و رمت بنفسها من الطابق الثاني لذلك المبنى المهجور.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا بكم أنرتم اتحاد المثقفين العرب